لا يكاد يمر شهر إلا ويصلني سؤال على تويتر عن سبب عدم تمكن تقنيي الأشعة من كتابة تقارير الأشعة الطبية. وعلى نفس الموال يطرح هذا الموضوع بشكل متكرر في تجمع الأشعة على التيليجرام يتبعه عادة نقاش طويل ومحتدم بلا نهاية. لاحظت بأن غالبية المطالبين لهذه المهمة لم يتقنوا بالأساس مهام عملهم الحالية ولا يتفهم حقيقة عدم كفاءته العلمية لتشخيص الصور.
انخفض تردد هذه الأسئلة بشكل ملاحظ بعد نشر الإدارة العامة للأشعة بوزارة الصحة الوصف الوظيفي للعاملين في تخصص الأشعة والذي وضح بأن كتابة التقارير وتشخيص الصور ليست من مهام تقني الأشعة. دعونا نناقش هذا الموضوع وندرس ونطلع على التجارب السابقة والدراسات العلمية.
هل يمكن لأخصائي الأشعة قراءة الصور وكتابة التقارير؟
نعم، وهذا مطبق في بريطانيا بشكل واسع والتي تشترط بالطبع تأهيل الأخصائيين من خلال درجة دبلوم أو ماجستير مخصصة لقراءة صور الأشعة.
جمعية وكلية أخصائيي الأشعة البريطانية SOR صنفت كتابة التقارير من قبل الأخصائيين على نوعين:
Clinical Reporting – ويقصد به كتابة تقرير تشخيصي كامل يرسل للطبيب المعالج مباشرة. هذا محدود فقط لمن تم تأهيله ببرامج تدريب مكثفة أو حصل على دبلوم أو ماجستير في قراءة صور الأشعة الطبية وتشخيصها ثم تبعها متابعة إكلينيكية (audit).
Initial Commenting – ويقصد به مجرد إضافة تعليق بما يلاحظه في الصورة من نتائج. وهذا النوع لا يعتبر تقرير نهائي أو رسمي. إنما هو امتداد للممارسة القديمة المعروفة بـ Red Dot. قديما كان أخصائي الأشعة يضع نقطة حمراء في زاوية الصورة بعض تحميضها إذا لاحظ بأن فيها شيء يجب أن ينتبه له طبيب الأشعة حالا. ومازالت هذه الطريقة تعمل في بعض المستشفيات اليوم ولكن بشكل رقمي.

تعتبر الألتراساوند أشهر التخصصات التي يكتب الأخصائيين تقاريرها يتبعها plain X-ray radiography ثم CT ثم MRI ثم الطب النووي *. تقرير الألتراساوند المذكور هنا هو تقرير كامل نهائي يختلف عن ما يمارس في السعودية بكتابة تقرير وصفي مبدئي يساعد طبيب الأشعة على فهم الصور لكتابة التقرير التشخيصي النهائي.
التجارب السابقة
التجربة البريطانية
تعتبر بريطانيا الرائدة في هذا الموضوع وأول من بدأ بتوظيف أخصائيي الأشعة لكتابة التقارير الطبية قبل أكثر من ٢٠ سنة في نظامهم الصحي. بالرغم من هذا السبق إلا أن مشاركة أخصائيي الأشعة في كتابة التقارير مازالت تمارس على نطاق ضيق. مثلا في تخصص وحيد (مثل X-ray أو CT) وعلى عضو محدد فقط (مثل الصدر). الفرص أيضا محدودة حتى لمن لديه التدريب والخبرة المطلوبة في كتابة التقارير.
النقص الحاد في أعداد أطباء الأشعة كان هو الدافع لتأهيل الأخصائيين لتغطية الحمل الكبير *. بمعنى أن الدافع الأساسي لم يكن لتحسين الرعاية الصحية أو توسيع فرص العمل لأخصائيي الأشعة.
أمريكا الشمالية
أمريكا وكندا لديهم مايسمى بـRadiologist assistant وهو دور مختلف عن الممارس في بريطانيا لأنه مقيد تحت إشراف طبيب الأشعة لمساعدته عن طريق كتابة تقارير وصفية. العمل بهذا الدور يتطلب أيضا إكمال برنامج تدريبي متخصص. هذه الوظيفة تصنف كـadvanced practitioner وهو تصنيف يطلق على الممارسة المتقدمة للأخصائيين وتشمل عمل فحوصات fluoroscopy مثل Barium enema و الخزع في الأشعة التداخلية بشكل منفرد بدون الحاجة لطبيب الأشعة. بريطانيا تطبق مثل هذه الأدوار أيضاً.
أستراليا
جميعة أطباء الأشعة الأسترالية والنيوزلندية RANZCR لديها موقف صارم ضد عمل أخصائيي الأشعة في تشخيص صور الأشعة حسب بيان نشر في 2018. ولكنها لا تعارض تطبيق نظام red dot أو initial commenting لتنبيه طبيب الأشعة شفهيا عن ما قد يلاحظه الأخصائي في الصورة.
السعودية
في السعودية، أشارت دراسة حديثة عن ممارسة ٣١ أخصائي من أصل ٣٤ (جميعهم من دولة السودان الشقيقة) لكتابة التقارير التشخيصية لفحوصات الأشعة في عدد من المراكز الطبية الخاصة في المملكة العربية السعودية. بالرغم من أن منهجية الدراسة ضعيفة والنشر في مجلة غير مصنفة إلا أن النتائج مقلقة للغاية لأن هذه الممارسة غير أخلاقية وخطيرة لعدم كفاءة وتأهيل هؤلاء الزملاء لتشخيص صور الأشعة الطبية.
هل أداء الأخصائي مماثل لأداء طبيب الأشعة؟
هنالك العشرات من الأبحاث التي قامت بدراسة أداء أخصائي الأشعة (المؤهل) في التشخيص و مقارنته بأداء طبيب الأشعة. كانت الغالبية تقول بأن الأداء مماثل (non-inferior). بالأسفل بعض الأمثلة:
أحد الدراسات المشهورة قامت بعمل meta-analysis مكونة من 12 دراسة لـ 30 ألف فحص أشعة سينية استنتجت في نهايتها أن أخصائي الأشعة لديه sensitivity بمقدار 93% و specificity بمقدار 98%. وكانت النتائج تتحسن كلما زادت خبرة الأخصائي في كتابة التقارير.
في دراسة أخرى على 788 مريض عمل لهم فحص barium enema كان تشخيص الأخصائي مطابق لتشخيص طبيب الأشعة في 95% من الحالات.
في meta-analysis لـ8 دراسات عن تشخيص الـpolyps في فحوصات CT colonoscopy كان أداء الأخصائيين ضعيف (sensitivity= 76%, specificity=74%). ولكن الدراسة أشارت أيضا بأن الأرقام تحسنت مع زيادة سنوات الخبرة.
في بحث على 244 حالة upper abdomen ultrasound قام بعملها أربعة أخصائيين وثلاثة أطباء أشعة , كانت نتائج الأخصائيين بالنسبة لـsensitivity بمقدار 97% و specificity بمقدار 93% باعتبار أن طبيب الأشعة هو النتيجة الصحيحة. تطابقت النتائج في 95% من الحالات.
بحث آخر قام بمقارنة فحص Upper abdomen ultrasound على 100 مريض تم فحصهم مرتين، الأولى من أخصائي ألتراساوند و الثانية من طبيب أشعة. كانت نتائجهم متطابقة تماما في 93% من الحالات. وكان هنالك سبعة حالات فيها اختلاف بينهم، كان الأخصائي هو الصحيح في ثلاثة منها وطبيب الأشعة صحيح في الأربعة المتبقية.

هل نحتاج لتأهيل أخصائيين أشعة في السعودية لكتابة التقارير؟
بالمقارنة مع بريطانيا مثلا، لا تعلن مستشفيات السعودية ولا الإدارة العامة للأشعة والخدمات الطبية بوزارة الصحة إحصائيات عن أداء أقسام الأشعة من ناحية الوقت المستغرق من إجراء الفحص إلى كتابة التقرير (test to report time). فلا يمكننا قياس حجم الاحتياج لتأهيل أخصائيين يمكنهم المساهمة في تحسين سير العمل.
ولكن إذا افترضنا وجود الاحتياج، فإن تأهيل الأخصائيين سيساهم في خلق فرصة رائعة لهم للتطور المهني. والتي لا أشك للحظة بأن الغالبية في التخصص يبحث عنها بعيدا عن رتابة العمل المعتاد و المعنويات المنخفضة المتوقعة. هذا قد يفرغ أطباء الأشعة لقراءة الفحوصات المعقدة والمتقدمة.
عدة دراسات تؤكد بأن توسع مهام أخصائي الأشعة يساهم في تحسين الرعاية الصحية للمريض وخفض التكلفة وتقليل عبء العمل على أطباء الأشعة بالإضافة لنقطة أخيرة مهمة وهي رفع مستوى الرضا الوظيفي لدى أخصائيي الأشعة ***.
من المتوقع أن يواجه مقترح استحداث برامج تأهيل لأخصائيي الأشعة موجة دفاعية من أطباء الأشعة (كما هو الحال حول العالم) خوفا من سلب البعض من مهامهم الوظيفية. ولكن العبرة هي بالمخرجات الإيجابية للمريض من خلال تحسين كفاءة العمل وجودته. لن ينجح مثل هذا المقترح إلا بدعم ومبادرة أطباء الأشعة لكي يتم اعتماده من هيئة التخصصات الصحية.
أعتقد بأن خريجي برنامج البورد السعودي في تقنية الأشعة الطبية هم الأكثر تأهيلا للحصول على مهام عمل إضافية إما بإجراء الفحوصات المتقدمة بشكل منفرد أو تدريبهم لكتابة التقارير ومساعدة أطباء الأشعة. خاصة وأن الوصف الوظيفي للأخصائي الاستشاري لا يزيد على الأخصائي والأخصائي الأول إلا بمهام إشرافية وبحثية.
الخلاصة
خريجي بكالوريوس وماجستير ودكتوراه تقنية الأشعة الطبية غير مؤهلين لقراءة وتشخيص صور الأشعة في السعودية حتى في حال حصولهم على برامج تدريب وتأهيل مخصصة وذلك لأن هذه الممارسة غير مصرح بها في المملكة العربية السعودية. التجارب الأجنبية قدمت أدلة كثيرة على أن تأهيل الأخصائيين ينعكس بالإيجاب على الرعاية الصحية للمريض ومستوى الرضا الوظيفي للأخصائيين.
لذلك، يجب دراسة الاحتياج الإكلينيكي لتأهيل أخصائيي الأشعة لعمل فحوصات ومهام إضافية متقدمة قبل تقديم أي مقترح يدعم ذلك.



